ابن أبي الحديد
53
شرح نهج البلاغة
وسلم يقول : ( إذا بلغت عمارة المدينة موضع كذا فأخرج عنها ) ، فلذلك خرجت ، فقال : فأي البلاد أحب إليك بعد الشام ؟ قال : الربذة ، فقال : صر إليها . قال : وإذا تكافأت الاخبار لم يكن لهم في ذلك حجة ، ولو ثبت ذلك لكان لا يمتنع أن يخرجه إلى الربذة لصلاح يرجع إلى الدين ، فلا يكون ظلما لأبي ذر ، بل يكون إشفاقا عليه ، وخوفا من أن يناله من بعض أهل المدينة مكروه ، فقد روى أنه كان يغلظ في القول ويخشن الكلام ، فيقول : لم يبق أصحاب محمد على ما عهد ، وينغر ( 1 ) بهذا القول ، فرأى إخراجه أصلح لما يرجع إليه وإليهم وإلى الدين ، وقد روى أن عمر أخرج عن المدينة نصر بن الحجاج لما خاف ناحيته ، وقد ندب الله سبحانه إلى خفض الجناح للمؤمنين ، وإلى القول اللين للكافرين ، وبين للرسول صلى الله عليه وسلم أنه لو استعمل الفظاظة لانفضوا من حوله ، فلما رأى عثمان من خشونة كلام أبي ذر ، وما كان يورده مما يخشى منه التنغير فعل ما فعل . قال : وقد روى عن زيد بن وهب ، قال : قلت لأبي ذر رحمه الله تعالى ، وهو بالربذة : ما أنزلك هذا المنزل ؟ قال : أخبرك ، إني كنت بالشام في أيام معاوية ، وقد ذكرت هذه الآية : ( والذين يكنزون الذهب والفضة ولا ينفقونها في سبيل الله فبشرهم بعذاب أليم ) ( 2 ) ، فقال معاوية : هذه في أهل الكتاب ، فقلت : هي فيهم وفينا ، فكتب معاوية إلى عثمان في ذلك ، فكتب إلى أن أقدم على ، فقدمت عليه ، فانثال الناس إلى كأنهم لم يعرفوني ، فشكوت ذلك إلى عثمان ، فخيرني وقال : انزل حيث شئت ، فنزلت الربذة .
--> ( 1 ) ينغر : يصيح . ( 2 ) سورة التوبة آية 34 .